مسيرة مهنية30 مايو 20264 دقائق قراءة
ست سنوات من بناء البرمجيات في عُمان
أسامـــة الدروشـــي

قبل ست سنوات، لو قال لي أحدهم إنني سأبني منصة تحليلات وطنية دون أن أغادر مسقط، لافترضت بأدب أنه يخلط بين عُمان وبلد آخر. كانت الحكمة السائدة واضحة: المسيرات البرمجية الجادة تُصنع في دبي أو برلين أو خلف تأشيرة عمل أمريكية، أما البقاء في الوطن فيعني القبول بالأقل.
هذا ما حدث فعلًا.
العمل الحر في 2020: أنت القسم بأكمله
بدأت العمل الحر عام 2020، في الهدوء الغريب الذي لفّ تلك السنة. كان العملاء يصلون عبر التوصيات، وفي سوق بحجم عُمان لا توجد زاوية تخصص مريحة تختبئ فيها. شهرٌ أبني فيه لوحة معلومات بـ Angular، وشهرٌ أكتب فيه واجهة API بـ Spring Boot، ثم أصارع Docker على خادم VPS نسي العميل أنه ما زال يدفع ثمنه. المتطلبات، والواجهة الخلفية، والواجهة الأمامية، وقاعدة البيانات، والنشر، ومكالمة الحادية عشرة ليلًا؛ كل ذلك كان على عاتقي.
بدا لي ذلك حينها ضعفًا؛ فالمهندسون «الحقيقيون»، كما تخيلت، متخصصون. لكنه كان، حين أنظر إلى الوراء، أسرع تعليم متاح. حين تملك كل شيء من مخطط PostgreSQL إلى هوامش الأزرار، تسقط من قاموسك جملة «هذه ليست طبقتي». وتلك الغريزة، أن تتعقب المشكلة أينما قادتك، أفادتني أكثر من أي إطار عمل تعلمته بعدها.
قطاع الاتصالات سيعلّمك التواضع
في Byanat خضت أول تجربة حقيقية مع العمل على نطاق واسع: منصة تحليلات لشرائح SIM الخاصة بأجهزة M2M/IoT لدى Ooredoo، بنحو 300 ألف جهاز. لا يبدو الرقم هائلًا حتى تدرك أن كل جهاز آلة صغيرة تثرثر على مدار الساعة، وأن كل سجل استهلاك يجب أن ينتهي في استعلام يشغّله أحدهم في التاسعة صباحًا. تعلمت تقسيم الجداول (partitioning) بالطريقة الصادقة، أي بعد أن انهار التصميم الساذج، وتعلمت لماذا يكون تشغيل count(*) على سجلات ربع سنة كاملة قرارًا لا استعلامًا.
ثم جاءت «مدى» لصالح Omantel: منصة لتحليل تدهور أبراج الاتصالات، تحوّل مقاييس راديوية مشوّشة إلى استنتاج يمكن الدفاع عنه بأن برجًا بعينه يتدهور ويستحق إرسال فريق صيانة. صفوف أقل، وأسئلة أصعب.
هذا أول ما يغفل عنه الناس في شأن الخليج: مشكلات البيانات هنا لا تقل إثارة عن نظيراتها في لندن أو أوستن؛ مشغّلون بملايين المشتركين، وبنية تحتية تمتد عبر الصحارى والجبال، وعدد أقل بكثير من المهندسين المتنافسين على العمل عليها.
قيادة فريق أمريكي من توقيت GMT+4
في تلك الأثناء قدت تطوير البرمجيات في Sagan World، وهي شركة أمريكية تبني منصة توظيف تُراجَع طلباتها بالذكاء الاصطناعي، عن بُعد بالكامل من مسقط. فرض فارق الساعات الثماني مع الساحل الشرقي عاداتٍ كان ينبغي أن أكتسبها أصلًا: دوّن القرارات كتابةً، لأن من يحتاج إلى السياق نائم الآن؛ واجعل تسليم المهام صريحًا لا ضمنيًا؛ وعامل وصف الـ pull request المكتوب بعناية بوصفه لياقة مهنية لا عبئًا زائدًا.
كما حسمت التجربة سؤالًا حملته سنوات: الجغرافيا ليست شهادة كفاءة. لم يهتم أحد في ذلك الفريق بموقع مكتبي؛ بل اهتموا بأن يصدر المنتج في موعده.
أن تبني للبلد الذي تعيش فيه
اليوم أعمل في Rihal، حيث قدت تطوير «صبر»، منصة التحليلات والمراقبة المركزية لهيئة تنظيم الاتصالات في سلطنة عُمان، إلى جانب منصة «المؤشرات» التي يرفع عبرها مشغّلو الاتصالات في البلاد بياناتهم. حين تصبح برمجياتك هي النافذة التي يرى منها منظّم وطني قطاعه، تكفّ دقة الأرقام عن كونها فضيلة مجردة؛ فالرقم الخاطئ ليس تذكرة خلل، بل رقم خاطئ أمام من يرسمون السياسات.
في السوق الصغيرة، المسافة بين شيفرتك وعواقبها اجتماع واحد، لا سبع طبقات من إدارة المنتج.
وهذا ثاني ما يغفل عنه الناس. تغيّر المشهد هنا كثيرًا منذ 2020: صار التحول الرقمي الحكومي دفعة حقيقية لا مجرد شرائح عرض تقديمي، وصارت شركات محلية تبني منتجات حقيقية، وبدأ مهندسون غادروا يعودون. أما ما لم يتغير فهو القرب: لوحة المعلومات التي تبنيها تصل إلى مكتب صانع قرار، والعطل الذي تسببه يُذكر باسمك. أمر مخيف وكاشف بالقدر نفسه.
إن كنت مطورًا في سوق يعدّها العالم هامشية، فهذه خلاصة سنواتي الست: السوق الصغيرة ليست العائق، بل هي الرافعة. ستملك أكثر، وستعمل على مسافة أقرب من الأثر، وستتعلم أسرع مما لو كنت الموظف رقم أربعين ألفًا ونيّف في أي مكان آخر. اتضح أن مسقط مكان جيد لبناء البرمجيات؛ كل ما لزمني هو أن أكفّ عن الاعتذار عن ذلك أولًا.